منتدى الشوره


بسم الله الرحمن الرحيم
نرحب بكم زوارنا الاعزاء في منتداكم منتدى الشوره . وتكتمل فرحتنا بأنضمامكم والتسجيل فيه.
الادارة

منتدى الشوره

أجتماعي ثقافي علمي
 
الرئيسيةالرئيسية  البوابةالبوابة  التسجيلالتسجيل  دخول  
نرحب بالاعضاء الجدد في منتدى الشوره وندعوهم الى المساهمه الجادة في المنتدى ورفده بالمواضيع الهامه والمفيدة... ومن الله التوفيق ...ادارة المنتدى
نبارك للطلبه الناجحين في الامتحانات الوزاريه للعام الدراسي 2016-2017.

شاطر | 
 

 ألملك آشورناصربال الثاني ملك العالم

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
رافع الهويدي
المشرف المتميز
المشرف المتميز
avatar

النــقاط : 4998


مُساهمةموضوع: ألملك آشورناصربال الثاني ملك العالم   2012-02-19, 23:58



ألملك آشورناصربال الثاني ملك العالم

كتابات - صلاح سليم علي

مقدمة:
يختلف الملك
آشورناصربال الثاني عن اسلافه بقدرته الفائقة على التوليف بين بناء
الأمبراطورية من النواحي العمرانية والأقتصادية والإدارية واستدامة النشاط
العسكري القتالي في اطراف الأمبراطورية فضلا عن بناء القلاع والحصون
والمدن؛ وتوظيف الموروث الفني والأسطوري للعراق في عمارة قصوره المنتشرة في
مختلف انحاء الأمبراطورية وبكونه من اكثر الملوك اهتماما في تدوين مآثره
على جداريات القصور وفي كل مكان تقريبا تطأه سنابك خيله..وكان للجهد
العسكري والإعماري الهائل في قلب الأمبراطورية وأطرافها أن خلق تحالفات
عسكرية معادية له كالتحالف السوري الذي تصدى له ابنه شلمنصر الثالث في
معركة قرقر والتحالف الأرمني الذي تصدى له تكلاثبليزر الثالث وسرجون الثاني
من بعده..ويرجع سبب ذلك الى المقاومة المتزايدة في الأطراف للتوسع الآشوري
ومحاولة الملك آشورناصربال السيطرة على الطرق التجارية ووديان الأنهار من
منابعها حتى مصباتها أستكمالا للسيادة الرافدينية على الشرق الأدنى..ويقف
حكم آشورناصربال الثاني في مرحلة انتقالية من حيث التطور الإداري للدولة إذ
يشبه الى حد ما اسلافه في الأمبراطورية الوسيطة أدد نيراري الأول وشلمنصر
الأول وتكلاثبليزر الأول، في نواح عديدة ولكنه مهد للتطورالإداري الواسع
الذي شهدته الدولة على عهد حفيده الخامس تكلاثبليزرالثالث ومن بعده الملك
سرجون الثاني..وفي عهد آشورناصربال الثاني تحددت ملامح الدولة المستقلة
استقلالا مطلقا واتخذت المدن الآشورية طابعا متميزا في الفنون والعمارة حيث
وضع هذا العاهل الفذ الأسس للمنحوتات الجدارية كبيرة الحجم ..وجعلها ملحقا
تصويريا لكتاباته التاريخية واسس لفكرة التاريخ الرافيديني المتصل منذ
العصر السومري وحتى عهده وصولا الى العراق العربي بعد ثورة تموز..وتلك مهمة
تبناها ملوك العراق ممن جاءوا بعده..ولكنه لم يبتكر مواضيع الجداريات
الأسطورية والتاريخية والتقاليدية لأنها موجودة في الفن العراقي منذ فجر
التاريخ إلا أنه على حد تعبير صموئيل بيلي جدد ملامح الفن العراقي واضفى
عليها رونقا وضمن استمرارها لاجيال عديدة جاءت من بعده..

ويعود اهتمامي
بالتاريخ الآشوري عموما وبملوك العراق وملوك الألف الأول ق.م. بوجه خاص الى
السنوات المبكرة من عملي في جامعة الموصل حيث عكفت على الترجمة لطلبة
الدراسات العليا ..مما دعاني الى القراءة وبرغبة حثيثة كل مايتعلق بالتاريخ
وبالتاريخ الآشوري والحضارات الرافدينية القديمة..ولاحظت ان ماتمت ترجمته
من الأدبيات المدونة باللغات الغربية حول العراق القديم الى العربية
لايشكل اي نسبة تستحق الذكر..وكان أحرى ان نجلس لترجمتها ليل نهار وكان
بمقدورنا تحقيق اثرا نوعيا بذلك لولا الظروف العاتية التي تعرض لها
العراق..وغزو الكوتيين الجدد لبلاد الرافدين..ومما زاد اهتمامي بالتاريخ
الآشوري توطد علاقة وثيقة مع الأخوة المتخصصين بتاريخ العراق عموما وبتاريخ
العراق القديم طلبة وتدريسيين، وكذلك مع العاملين في الآثار واللغة
المسمارية كالأستاذ اختصاصي اللغة المسمارية عامر سليمان والدكتور محمد
صبحي عبدالله والمرحوم الأستاذ منهل جبر والدكتورعامر الجميلي ولفيف من
طلبة الدراسات العليا تعرفت من خلالهم على اسماء معروفة في الآثار كالدكتور
طارق عبد الوهاب مظلوم الذي زرته في بغداد في مصهر البرونز في الشيخ عمر و
تناولت معه ضرورة اعادة بناء قصر الملك آشورناصربال الثاني في كالخو بل
وبناء المدن الآشورية في نينوى واربيل (أرباإيلو أو مدينة الآلهة الأربعة)
وكركوك (ارابخا) وآشور (قلعة الشرقاط حاليا) على غرار بابل التي اعادت
الحكومة الوطنية جانبا كبيرا من عمارتها كقصر الملك نبوخذنصر الثاني ومعبد
الأسيجالي ومسرح الأسكندر وغير ذلك في المدينة العظيمة؛ وكان الأستاذ
والفنان الكبير قد استظهر جانبا كبيرا من قصر سنحاريب في حافة
تلقوينجق....وقد اخذني الأهتمام بتاريخ العراق القديم الى مكتبات سورية
وأردنية فمكتبات العالم ومنها، في الآونة الأخيرة، المكتبة الملكية في
كوبنهاكن ومكتبتي اوسلو وبيركن ومكتبات لايدن ولاهاي وامستردام في هولندة
ومكتبات هلسنكي وستوكهولم في فنلندة والسويد على التوالي..وفي عام 2005 قمت
بترجمة الكتابات الملكية لآشورناصربال الثاني وقام الآشوريون في الموصل
بالأنفاق على تصويرها ب 300 نسخة ..ولكن ما فاضت به المكتبات والمواقع
الألكترونية جعلني اعيد النظر في كثير من جوانب تلك الترجمة والمعلومات
التي اوردها كرايسون عن هذا الملك..وقد قادني الأهتمام بآشورناصربال الثاني
الى الدكتور صمؤيل بيلي استاذ التاريخ في جامعة بافولو الذي وافته المنية
في 31 من آذار هذه السنة 2011..وكان المشرف الآثاري على مشروع المتحف
الألكتروني الحي للقصر الشمالي الغربي لآشورناصربال الثاني..وكانت المفارقة
ان موضوع اطروحته المعنونة (ملك العالم: آشورناصربال الثاني) والتي تناول
فيها المنحوتات الجدارية في قصرالملك في النمرود لم تتوفر لديه نسخة منه
وكانت قد طبعت كتابا..مما اضطرني الى استعارة الكتاب من المكتبة الملكية في
كوبنهاكن وتصويره للأطلاع على مايعزز معلوماتي عن هذا الملك ويصحهها..فقد
توفي المؤلف فجأة قبل ان يوافيني بالأجابات التي طلبتها على اسئلتي وبخاصة
حول فكرة التاريخ لدى الآشوريين وعلاقتها بمفهوم الزمان لديهم ..ودوافع
الملوك الاشوريين في مواصلة التوجهات العامة في السياسة والحرب منذ عهد
سرجون الأول وحتى سقوط الأمبراطورية الآشورية والدوافع الجمالية والسياسية
والعقيدية للتدوين التصويري للتاريخ في جداريات كالخو لأن ما ورد في النصوص
الملكية تنقله الصور ولاسيما مشاهد تقديم الأتاوات هذا فضلا عن توزيع
المنحوتات حسب مواضيعها في اماكن معينة في داخل القصر وفي واجهاته المكشوفة
..فبينما تضمنت ممرات القصر وغرفه الداخلية مواضيع اسطورية كنسروخ
ونينورتا مطاردا الأنزو والمردة الحامية التي تقف وراء الملك وشجرة الحياة،
تصور الواجهات مواضيع سياسية وتاريخية وهي نواح لم يتناولها اي من دارسي
التاريخ الآشوري في حدود معرفتي حتى اللحظة الراهنة..فضلا عن الرموز
المختلفة التي تحيط بالملك كالخوذة القرناء وثمرة الصنوبرمخروطية الشكل
والسطل وزهرة البيبون وشجرة الحياة..وتجدر الملاحظة الى ان آباء الفاتيكان
أخذوا عن الآشوريين مخروط الصنوبر الذي يرمز الى الخصوبة ووضعوه في
صولجاناتهم..وكذلك الأمر مع الخوذة القرناء وغيرها من رموز يوظفها الغرب في
اساطيره الجديدة كسيد الخواتم وغيرها..

وفي العراق، كانت
لزياراتي الأستطلاعية المتكررة للنمرود ولاسيما تلول عازر القريبة منها ثم
التلال المنتشرة حول النمرود حيث تختبيء المدينة الأسطورية (ريسين) وصولا
الى امغر انليل في بلوات ثم الأتجاه غربا في طريق سنجار حيث تل أبقو في أبو
ماريا وغيرها من تلال ربيعة وسهل نينوى ثم كرا الى اوباسا (الحويش) فتلال
سوحو في الأنبار ومنهما الى (نيبارت آشور و نيقوشابورات) حيث تطل حلبية
وزلبية على الفرات في مكان اطلق عليه العرب الخانوقة في سورية، وما اليها
من جولات كانت نتيجتها معايشة الماضي العسكري للعراق وتلمسه عيانا للتعرف
على طبيعة عصر هذا الملك الذي تنتشر قصوره وعواصمه في الشرق الأدنى بأسره
..وكان لزوجته (موليشو موكانيشات نينوا) قصر خاص بها تحف به الرياض في
كرمليس؛ اما قصر ابنه وولي عهده شلمنصر الثالث فكان في امغرانليل (بلوات)
التي عثر فيها على بوابته الشهيرة الى جانب بوابة ابنه وكان قدر بوابته ان
تسرق خلال الغزو الأميركي وتنقل ليلا عبر الشمال الى جهة مجهولة..

وعلى اية حال فأن
هناك الكثير من الجوانب الخفية في حياة اسلافنا ومآثرهم ..واني اميل الى
القطع ان ماتم استظهاه من آثارهم وما انجز حتى الآن من التنقيبات لايعدو
ان يكون كما اكد الأستاذ طارق مظلوم سوى وخزات ابرة في جسد عملاق ضخم راقد
في هذه التلال...ومرماي من تأكيد هذه الجوانب في تاريخنا ان اؤرخ لما
تحدثني به الأرض من اسرار اهلها الأصليين وحكاياتهم ..والقاء الضوء على
مزاعم دخلاء لاتاريخ لهم بهذه الأرض التي يتهالكون للأستحواذ عليها
ومصادرتها ..بينما كان ملوكها واصحابها الشرعيين في حروب دائمة مع
اسلافهم..وهو جزء من عمل قيد الأنجاز اكبرعن تاريخ وجغرافيا بلاد
الرافدين..

وإن الأهتمام
بالتفاصيل، في رأيي، ضروري لكي لايشكل غيابها ثغرات معرفية يتخذ منها خصوم
اسلافنا وخصومنا ثغرة لتشويه الوقائع وتزوير الوثائق..والنيل من كرامة
اسلافنا في الماضي نيل احفادهم من سيادة بلداننا في الحاضر..والتفاصيل فيها
فائدة للبحاثة الجاد والناقد المتعمق والمتخصص المصوب..والله والحقيقة
والوطن من وراء القصد..


*****










ملك العالم آشورناصربال وعصره:



يعد الملك
اشورناصربال الثاني 884 - 859 ق . م . واحدا من اعظم الملوك الآشوريين
الذين حكموا بلاد ما بين النهرين قبل تولي سرجون الثاني العرش في القرن
الثامن ق. م. فقد وطد اركان السلطة الآشورية التي ضمت على عصره أعالي دجلة
والفرات وجانبا كبيرا من بلاد الشام والمناطق المجاورة لأرمينيا وغربي
إيران؛ ونقل العاصمة من نينوى إلى كالخو (النمرود) وفيما يلي نبذة موجزة
عن حياته ومآثره ونبذة عن شخصيته نادرة المثال..

ورث آشورناصربال
الثاني من أبيه تيكولتي - نينورتا الثاني مسؤلية توطيد الحكم الآشوري في
الشرق الادنى وتوسيع رقعة المملكة الآشورية شرقا وشمالا وغربا. فقد كانت
الممالك التي تحيط القلب الآشوري في شمالي العراق من كل الجهات قبلية
الطابع في الأغلب؛ وكانت هذه الممالك قد اعتادت التمرد والثورة والعصيان
على الحاكم الآشوري بتحريض أو بدونه .. وتقع خلف هذه الكيانات القبلية دولا
قوية تتمتع بجيوش دائمية وتحصينات دفاعية ونظم إدارية واقتصادية مستقرة
فضلاً عن ملامح حضارية مميزة كدولة اورارتا (ارمينيا) ودمشق في الشام وحاتي
في تركيا وبابل في جنوبي العراق . ولاريب ان دراسة دقيقة لجغرافيا الحملات
الآشورية كما وردت في حوليات الملك آشورناصربال الثاني ستميط اللثام عن
عظمة هذا الملك وجسامة منجزاته كما توضح الطاقة والمرونة والروح العسكرية
التي تميز القيادة والجيش الآشوري ناهيك عن المقدرة الهائلة والمطاولة في
مقارعة ظروف بيئية قاسية ميزت الاقاليم المحيطة بالدولة الآشورية..

كانت حملة الملك في
الشرق مزدوجة في اهدافها إذ يتمثل الهدف الأول بالمحافظة على السلطة
المركزية وعلى هيبة الدولة في المقاطعات التي أخضعها أسلافه؛ ويتمثل الهدف
الثاني بتأكيد الاعتراف بالسيادة الآشورية على القبائل والدويلات الواقعة
في أقاصي الشرق - على ذلك، لم يكد آشورناصربال الثاني يعتلي عرش بلاد آشور
حتى بدء بالزحف على الجبال المجاورة.. وكانت وعورة الارض تشهد على القدرة
العسكرية والمرونة الفائقة للجيش الآشوري الذي درج على تكييف الهجوم
والاسلحة المستخدمة فيه مع طبيعة التضاريس واشكال المقاومة المتوقعة من
العدو.. فانطلقت القوة الآشورية شرقا مدمرة اراضي كيرخي وتومي والقلاع
التابعة لهما - وعندما ابدى حاكم نيشتون مقاومة عنيفة، تصدى له آشور
ناصربال الثاني بنفسه ودحره وجلبه اسيراً الى مدينة اربيل حيث سلخه حيا
هناك - وفي مصادر اخرى انه سلخ ابنه بابو - وهي عقوبة غالبا ما كان
آشورناصربال الثاني يوقعها بالخصوم الذين يتسببون له بأدنى ازعاج. وكان
لهذا العنف نتائج ايجابية للحكومة الاشورية - فخلال حكمه الطويل (25) سنة
لم تحدث سوى ثورة خطيرة واحدة وذلك عام 881 ق.م. عندما حرّضَ نورأدد
الآرامي أمير داغارا (الشهيرة بخزن الخمور) أهالي زاموا (السليمانية) على
العصيان ورفض السيطرة الاشورية. وكان الوضع ينذر بالخطر حيث حصّنَ
المتمردون مضيّق بابايت (معبر بازيان بين كركوك والسليمانية حالياً) لعرقلة
تقدم الآشوريين الذين اتخذوا من قيليزي (قصر شمامك) معسكرا لأنطلاقهم
شمالا؛ بينما بدأ اللولابي في الجبال بوضع الخطط لغزو آشور نفسها، فعمد
آشورناصربال الثاني الى قيادة ثلات حملات تأديبية متتالية في الجبال إثنتان
عام 881 ق.م. وأخرى ثالثة عام 880 ق.م. اخضع بعدهما اقليم زاموا ودحر
المتمردين الذين هربوا الى الاصقاع البعيدة ولاذوا في مغاور
الجبال..فطاردهم آشورناصربال الثاني وراء جبل نيسري (بيرة مكرون) ومشط جبل
كشمر (حجي ابراهيم) ثم واصل جنوبا صوب عيلام حيث شيد حصنا اسماه كار آشور
يضاف الى الحصون العراقية في عمق زاكروس.. وبذلك اسرعت قبائل الشرق بدفع
الأتاوة الى الملك الاشوري قبل ان يداهمها ويخرب مدنها وترينا الغنائم
المنتزعة من اقليم زاموا التطورالحرفي لهذه البلاد حيث استقدم اشورناصربال
الثاني عمالا وحرفيين مهرة الى كالخو للمساهمة في بناء المدينة الرائعة
وتشييد قصره المطل على دجلة..

وفي الشمال كانت
الممالك التي ضمها الملكان شلمنصرالاول وتيكولتي نينورتا الاول ومن بعدهما
تكلاثبليزرالاول الى آشور، قد سقطت من يد السيطرة الاشورية منذ زمن بعيد..
فزحفَ آشورناصربال الثاني شمالا عام 881 ق.م. لأسترداد هذه الممالك ودحر
خصومه الآراميين من قلاع ومدن الشمال مثل ايلوخات ودمدموزا (قازيق تبة)
وسينابو (بورناق) التي تمركز فيها المتمردون فهاجم المدينة الأخيرة التي
تمثل رأس الحربة المعادية وبعد معركة عنيفة وسريعة تمكن من دحر خصومه ودمر
اسوار المدينة ثم احرق 3000 اسير وواصل تقدمه نحو الشمال وراء منابع دجلة
الى بلاد ناعيري (الممتدة جنوبي اورارتا - ارمينيا) مدمراً المدن والقلاع
وباسطا النفوذ الاشوري على هذه المناطق النائية وفي طريق عودته عمل على
تأمين مدينة عاميدي ( ديار بكر) ببناء مدينة أخرى شرقها هي توشان (زيارة
تبة) وجعلها عاصمة اقليمية لأمبراطوريته..وتجاور توشان سينابو وتيدو
(اوجتبة) وكلها تقع شرقي ديار بكر- فتلقى اتاوات الملوك وهدايا رؤساء
القبائل وتضمنت هدايا بلاد ناعيري باكملها ومعها اتاوات مشايخ الآراميين
وبضمنهم خصم والده توكولتي نينورتا الثاني (آموبعلي) الذي تخلى عن عدائه
واصبح الان تابعا مواليا للملك الاشوري. وفي طريق عودته الى كالخو، استلم
آشورناصربال الثاني اتاوة ملك حاتي في نصيبين واتاوات اقليم أيزالا من
اقاصي الشمال الغربي للأناضول وهي منطقة كانت في الماضي تابعة للدولة
الحيثية القديمة..

لقد كان سكان الشمال
في عصيان دائم على السلطة الآشورية - لهذا شعر آشورناصربال الثاني بضرورة
توجيه ضربة ماحقة تفطمهم عن التمرد إلى الابد وكانت تلك الضربة عام 879 ق .
م إذ لم تكن القبائل القاطنة في جبل كاشياري (طورعابدين) وسفوحه (شمالي
ماردين) قد اقرت بالحكم الآشوري وتقبلت الحاكم الآشوري الذي عينه
آشورناصربال الثاني عليهم في توشان . وكانت القبائل المجاورة لتلك المدينة
قد أعلنت عصيانها بتحريض من أورارتا مما ادى إلى قتل الحاكم الآشوري
الآرامي (آموبعلي) في مدينة توشان ... إلا أن انتقام الملك الآشوري جاء
سريعا وعنيفا وصاعقا فقد هاجم مناطق التمرد واهلك الحرث والنسل وجلب على
المنطقة بأسرها الدمار والخراب بحيث استتب فيها الامن بعد هذه الغزوة على
مدى تسع سنوات لحين أ آن اوان توجيه ضربة ثالثة اكثر تدميرا من الضربتين
الأولى والثانية وذلك في عام 876 ق. م.

غير أن اكبر توسع
تحقق للإمبراطورية الآشورية في عهد آشورناصربال الثاني كان في الغرب. فقد
بات ضم الدويلات الغربية يشكل ضرورة حيوية للأستقرار السياسي والازدهار
الاقتصادي للدولة الآشورية ويؤمن الطرق التجارية عبر طوروس والأراضي
الممتدة من انطاكية وحتى صور على الساحل اللبناني وهكذا فعندما زحف
آشورناصربال الثاني غربا، لم تبد الدويلات الآرامية المبعثرة أية مبادرة
لتوحيد اشتاتها وتشكيل قوة مشتركة تتصدى للآشوريين في الوقت الذي شعرت فيه
الممالك الحاتية في الشمال بالارتياح ازاء التوغل الآشوري في الغرب لانه
يخفف مخاطر الهجمات والاغارات الآرامية في حدودها الجنوبية. لهذا فعندما
داهم آشورناصربال الثاني الدويلات الغربية منطلقا من كوموخ (منطقة تقع بين
توشان وسمعل" زنجيرلي" وميليد "ملاطيا") عام 884 - 883 ق. م. سارعت اقوام
الموشكي (الفريجيين في قيلقيا على اطراف أدنة) النائية بارسال الهدايا إلى
آشورناصربال الثاني درءا للخطر الآشوري أكثر منها تأكيدا لموقف ودي.. وكان
السبب المباشر للحملة الآشورية مقتل "خاماتي" حاكم سورو (صور) وهو احد
اتباع الملك الآشوري من قبل الأقوام المعادية للآشوريين؛ مما شجع سكان
المناطق الممتدة بمحاذاة نهر الخابور وبخاصة بيت خالوبي على العصيان
والثورة . وكان المحرض الرئيس على التمرد في منطقة الخابور حاكم بيت عاديني
الذي ارسل دعيا من هناك ليتزعم التمرد. فانطلق آشورناصربال الثاني إلى
سوريا وهاجم صور واخضع المدن المجاورة مما أضطر اللاقي والهندانو المقيمين
في الضفة الغربية لنهر الفرات، وهي تحالفات من قبائل آرامية، إلى التخاذل
ودفع الاتاوات وانواع الهدايا للملك الآشوري..

وتجدر الاشارة إلى أن
اسلوب الملك الآشوري آشورناصربال الثاني في استحصال الضرائب والاتاوات
يختلف عن اسلوب أسلافه - إذ بدلا من ارسال موظف آشوري يقوم بجباية الضرائب
من الملوك والامراء في الاقاليم المجاورة، يأتي الملوك والامراء بانفسهم
إلى كالخو العاصمة الآشورية جالبين معهم أتاواتهم من الذهب والفضة والنساء
والمواشي والخيول والمنسوجات وهو الاسلوب عينه الذي انتهجه ابنه شلمنصر
الثالث والملوك الذين جاءوا من بعده (وترينا المسلة السوداء في المتحف
البريطاني وبوابة بلوات تواكب الملوك الوافدة إلى كالخو وهي تقدم الهدايا
وتقبل الارض بين يدي الملك الآشوري) غير أن القبائل المقيمة في المناطق
التي تشكل الحدود الشمالية - الغربية لبابل والمعروفة بالسوخي أو السوحي
وجدت في اسلوب تقديمها للضرائب للملك الآشوري إذلالا طوعيا ومتكررا
لكبريائها ولم يكن لها قبل بالادارة الصارمة المتضرية شديدة القسوة لآشور
ناصر بال الثاني - مما دفعها إلى التحالف مع ملك بابل (نابو آبال أيدن)
الذي كانوا يعدونه سيدا مطلقا عليهم كما جرت العادة مع آبائهم والملوك
البابليين – إلا أن الملك البابلي لم يكن قادرا على شن هجوم معلن على
الدولة الآشورية كما لم يكن قادرا على خرق المعاهدة التي فرضها على سلفه
الملك الآشوري ادد – نيراري الثاني مما دفعه إلى ارسال قوة من الكاشيين
تتألف من 3000 مقاتل وأو كل قيادتها إلى أخيه زابدانو لدعم السوحو الذين
أعلنوا عصيانهم على الآشوريين عام 878 ق.م. ولم تكد أنباء العصيان تطال
اسماع الملك الآشوري حتى انطلق باتجاه صور التي لجا اليها المتمردون . وكان
بدء انطلاق الجيش من منطقة كوموخ في شمالي سوريا. انطلق الجيش الآشوري،
هذه المرة، باتجاه الجنوب الشرقي وسار بمحاذاة الخابور فاشتبك مع العدو
بالقرب من عانة في معركة طاحنة استغرقت يومين وتمخضت عن اندحار القوات
الآرامية اندحارا تاما ووقع من بقى منهم على قيد الحياة في الأسر. وكان من
بين الاسرى شقيق الملك البابلي (كون الآراميين يشكلون الأكثرية في بابل)
والكاهن الذي كان يتقدم القوات المتمردة . وكان هذا التمرد الآرامي فرصة
للملك الآشوري وظفها لفرض المزيد من الشروط المذلة على الآراميين - على
الرغم من تأكيده على العكس في أحد نصوصه : "أنا الملك دائم مجدي وجبروتي
... استدرت نحو الصحراء وقلبي يروم توسيع حمايتي" . ويقينا أن تلكم الحماية
لم تكن سوى شروط سيادية تتعارض تعارضا حادا مع إرادة القبائل غربي الفرات؛
مما دعا قبائل الهندانو واللاقي إلى ضم صفوفهم في محاولة أخيرة لنيل
استقلالهم. ولكن جواسيس الملك الآشوري ابلغوا قادة آشوريين بأنباء العصيان
قبل الإعلان عنه، مما أثار سخط الملك الأشوري وجعله يقود بنفسه حملة قوية
ومباغتة تمخضت عن سحق التمرد بوحشية منقطعة النظير مما ادخل الذعر في قلوب
الهندانو واللاقي ومنعهم من الدخول في تحالف مع بيت عاديني أو في ما بينهم
لمناهضة الآشوريين في الوقت الذي أسرع آخوني حاكم بيت عاديني إلى دفع
الاتاوة صاغرا والأقرار بسيادة آشورناصربال الثاني على اراضيه..

وهكذا بسط الآشوريين
نفوذهم على الخابور وأعالي دجلة والفرات إذ لم تكن هناك قوة بمقدورها
التصدي لهم في سورية ولبنان ..وفي عام 876 ق. م. قام الملك الآشوري بحملة
استعراضية طاف خلالها مدن البحر المتوسط على نحو مماثل لحمله
تكلاثبليزرالأول - وتماثل العلاقات الآشورية مع ألدويلات الآرامية في سوريا
علاقات فيليب المقدوني (والد الأسكندر) مع اليونان: إذ عمد الملوك
الآشوريين إلى تعيين حكام محليين يمثلونهم في المناطق التي يغزونها - وهو
إجراء قلدهم فيه الفرس لاحقا والرومان من بعدهم..

وفي شهر أيلول من
السنة نفسها زحف الملك الآشوري إلى قرقميسش مجندا على نحو يذكرنا بهانيبال
جنودا من الإقوام الآرامية التي مر بأراضيها مثل بيت باخياني وايزالا - وفي
الطريق أسرع آخوني وخابيني بدفع الاتاوة ومعها رعيل من المقاتلين من بيت
عاديني مما حفز سنكارا ملك قرقميش إلى الاسراع بدفع الاتاوة واعلان خضوعه
هو الآخر للسيادة الآشورية. وكان الطريق إلى لبنان يمر باراضي خاتينا
(باتينا) أو (عنقي) في المصادر الآشورية اي سهل عاموق - القريب من تل
بارسيب - مما جعل لوبارنا ملك خاتينا يسرع بتقديم الهدايا معلنا انصياعه
للملك الآشوري درءا للمذابح والخراب - وبعد ذلك، انطلق آشورناصربال الثاني
عبر العاصي إلى اقاصي الجنوب الغربي فخرب المدن السورية واحرقها وسوى عددا
منها مع الارض حتى وصل ساحل البحر (المر) المتوسط (ليغسل اسلحته) فاسرع
ملوك صيدا وبيبلوس (جبلة) وطرابلس بتقديم الهدايا - وعندما وصل جبل أمانوس
(الجبل الحمر او جبل اللكام الذي يشكل امتدادا لجبال طوروس وحدا فاصلا بين
سورية وتركيا) أمر النحاتين بنحت نصب تذكاري يخلده في الجبال ثم اختتم
حملته بقطع الاشجار التي حملها إلى كالخو لتسقيف قصوره ومعابده هناك..

وبعد عقد من الزمن،
زحف الملك الآشوري مجددا باتجاه الشمال مرورا ببيت عاديني وكوموخ وتوغل في
جبال الأناضول حيث بنى قلعة مازالت تعرف بقلعة النمرود (والمقصود هنا قلعة
تيدو في اوجتبة وليس نمرود داغي في اديامان) . ثم اتجه جنوبا فهاجم دمدموزا
التي عاد الآراميون وسيطروا عليها..وكانت احدى المدن الملكية لآشورناصربال
الثاني ..فاقتحمها وذبح 600 مقاتل عند اسوارها وساق 3000 اسيرا منهم إلى
عاميدي حيث صلبهم هناك - ثم قطع حجارة الممرات الجبلية في جبل كاشياري
(طورعابدين) لتسهيل حركة العجلات حتى وصل قلعة لابطوري حيث هاجم القلعة
ودمرها واحرق المدن المجاورة لها ... وهكذا فقد ضمنت له هذه الحملة السيطرة
على أعالي الفرات وهو أوسع مدى بلغته الإمبراطورية الآشورية في
عصره..وفيما ياتي ترجمتي للنص القياسي لآشورناصربال الثاني عن ترجمة
انكليزية لكرايسون للنص المسماري..يوضح فيه مسار حملاته في الشرق الأدنى:

(قصر آشورناصربال
الكاهن الأعظم لآشور، الملك الذي اصطفاه الإلهان إنليل ونينورتا، المفضل
لدى الألهين آنو وداغان والسلاح الإلهي للآلهة العظيمة ، الملك القوي، ملك
العالم، ملك بلاد آشور، أبن توكولتي- نينورتا الثاني الملك العظيم، الملك
القوي، ملك العالم ، ملك بلاد أشور، أبن أدد - نيراري الذي (كان) أيضا ملكا
عظيما، ملكا قويا، ملكا للعالم، وملكا لبلاد آشور؛ أنا الرجل الباسل الذي
يتصرف "مدعوما" بثقة آشور ربه؛ "الملك" الذي لايوجد منافس له من بين أمراء
الجهات الأربع، الراعي العجيب، المقدام في المعركة ومد الطوفان الجبار
(يعود هذا التشبيه إلى ملحمة كلكامش إذ يرد في السطر (32) من الفصل الاول
من الملحمة انه موجة طوفان عاتية تحطم حتى السوار المنيعة) الملك الذي
لامنافس له. الملك الذي يخضع العصاة على الإخضاع؛ ويحكم الأمم كلها. الملك
الفحل القوي الذي يدوس على أعناق أعدائه ويطوح بهم.. الذي يشتت القوات
العاصية، الملك الذي يتصرف بدعم الآلهة العظيمة أربابه - الملك الذي غزا
البلاد كلها وبسط سلطته على الجبال كلها وتلقى أتاواتها الذي يمسك الرهائن ،
المنتصر على البلاد كلها..

عندما وضع آشور ،
الإله الذي دعاني بأسمي وجعل سلطتي مطلقة، أسلحته التي لاتعرف الرحمة في
ذراعي الملكيين، قطعت بالسيف القوات الكبيرة لـ اللولومو (اقوام من زاكروس)
في معركة. وبتأييد الإلهين شمش وأدد – اللذان يسانداني، أرسلت رعودي مثل
الإله أدد المهلك ضد قوات بلاد ناعيري وحابحو وشوبارو وبلاد نيربو، الملك
الذي أخضع عند قدميه (الاراضي الممتدة) من الضفة المقابلة لدجلة وحتى جبل
لبنان والبحر الكبير، وبلاد لاقو وبلاد سوحو وبضمنها مدينة رابيقو، الذي
غزا من نهر سبناط وحتى بلاد أورارتو (قلب بلاد نيريب). وضممت ضمن حدود
بلادي (الأراضي الممتدة) من معبر جبل كيرورو وحتى بلاد كيلزانو . ومن الضفة
الأخرى للزاب الأعلى وحتى مدينة تل بري التي تقع في أعالي النهر في بلاد
زابان؛ ومن مدينة تل - شا- أبتاني [أبطاني] وحتى مدينة تل - شا - زابداني؛
وكذلك مدينتي حيريمو وهاروتو (اللتان هما) قلعتان من قلاع كاردونياش
(بابل). وأعتبرت الأقوام (القاطنة) من مضيق جبل بابيتو (بازيان) وحتى جبل
هاشمر جزءا من سكان بلادي. وفي الأراضي التي تقع تحت. سيطرتي..وكنت دائما
أعين حكامي وكانوا يؤدون لي الخدمة..

أنا أشورناصربال
الأمير الحريص، عابد الآلهة العظيمة، التنين الضاري، غازي المدن والجبال
كلها، ملك الأسياد، محاصر العصاة، المتوج بالبهاء، المقدام في المعركة،
البطل الذي لايعرف الرحمة، الذي يدير الصراع، الملك الجدير بالثناء، الراعي
وحامي الجهات الاربع، الملك الذي تفتت أوامره الجبال وتلاشي البحار، الملك
الذي جلب بقتاله الملكي تحت سيادة (إرادة) واحدة الملوك المتوحشين عديمي
الرحمة في الشرق والغرب..

أصبحت المدينة
القديمة كالخو التي بناها شلمنصر(الأول) ملك بلاد أشور الأمير الذي سبقني
خربة وبليت فأعدت بناء تلك المدينة..وأخذت الأقوام الذين غزوتهم من البلاد
التي أصبحت تحت سيادتي - من سوحو و لاقو بأكملها ومن مدينة سيرقو (ترقا)
التي تقع عبر الفرات ومن بلاد زاموا بأكملها، ومن بيت عاديني، ومن بلاد
حاتي، ومن لوبارنا الباتنياني ووطنتهم فيها (في كالخو).. ثم أزلت التل
القديم الخرب وحفرت حتى مستوى الماء.. وجعلت حفر الأساس بعمق 120 صف من
الطابوق وأقمت عليه قصرا [سقفه] من السدر والصنوبر وعرعر الدابرانو، وخشب
البقس وخشب المسكانو وخشب البطم وخشب الطرفاء لأقامتي الملكية بما يليق
بأستراحتي وإمضاء وقتي الملكي إلى الأبد..وأمرت بعمل تماثيل من حيوانات
الجبال والبحار من الحجر الجيري الأبيض ومن رخام الباروتو ووضعتها عند
بواباته، وزخرفته على نحو رائع وأحطته بمسامير مفصصة من البرونز، ووضعت
أبوابا من خشب عرعر الدابرانو وخشب المسكانو في مجازاته.. وأخذت كميات
كبيرة من الفضة والذهب والقصدير والبرونز والحديد والغنانم من البلاد التي
بسطت نفوذي عليها وأودعتها فيه)..

وقد عثر على هذا النص
في إحدى قاعات القصر الشمالي الغربي في كالخو محفورا على منحوتة رخامية
لمارد مجنح يرتدي صندلا ويحمل سطلا ويوجد حاليا في قاعة كولبنكيان في متحف
بروكلين..ويبدأ كالعادة في النصوص الملكية الآشورية بديباجة تبجيلية للملك
واسلافه ممن حكموا قبله..وفي هذا النص يورد آشورناصربال الثاني اسم والده
توكولتي - نينورتا وجده ادد - نيراري؛ ثم يعرج على وصف شخصيته وصلته
بالآلهة ثم يتناول وصف حملته فيورد مقدمة يتناول بعدها حدود الأمبراطورية
مركزا على الأنهار والجبال لأهميتها الحيوية والستراتيجية (لأن عدم السيطرة
على الأنهار من منابعها الى مصباتها وبضمنها الجبال والسهول المحيطة
بالمنابع والمصبات يعد انتقاصا خطيرا في السيادة لدى الآشوريين). ويعود
الملك مجددا لوصف شخصيته بمفردات تعظيم فهو ملك الملوك والتنين الضاري قاهر
المدن والجبال في كل آمادها والأسد الذي لايعرف الرحمة مدمر
العصاة..وأخيرا يختتم النص بوصف جهوده في عمارة الأرض وحفرالقنوات وايعازه
بتدوين مآثره على منحوتات قصره..

آشورناصربال الثاني - منجزاته وشخصيته:
كان آشورناصربال
الثاني قد قرر منذ بدء حكمه نقل عاصمته من نينوى إلى كالخو (النمرود) لذا
اعاد بناء هذه المدينة المندثرة التي كان شلمنصر الأول قد اتخذها عاصمة له -
ويبدو أن آشورناصربال الثاني قد بدأ اقامته في كالخو في 880 - 879 ق.م.
ولهذا يعود الجانب الأكبر من مبانيه في هذه المدينة إلى السنوات الخمس
الأولى من حكمه. ومن المنجزات الرئيسة التي انجزها في النمرود قناة تمر تحت
الارض في بعض الاماكن تعرف بقناة الوفرة (بيلات هيكالي)، تنقل مياه الزاب
إلى كالخو - وكذلك سور المدينة فضلاً عن قصره الذي تزين مداخله الالواح
المحفورة وتحرس بواباته الثيران المجنحة وهو مبني من اللبن المغلف بالحجارة
والرخام كما شيد معابد عديدة في المدينة كمعابد نينورتا ونبو وعشتار وشيد
زقورة في مدخل المدينة الشمالي الغربي كما اعاد اعمار معبد عشتار في نينوى.
وقد تم العثور على عدد كبير من المنحوتات واللوحات التي تمثل طقوساً دينية
ومشاهد صيد ومعارك ومواضيع اسطورية وكان عددا من هذه المنحوتات المحفورة
على الرخام والحجارة والزخارف التي تزين القصر الشمالي الغربي ملونه وهي
تعكس قوة هذا الملك واتساع رقعة مملكته وثروته الهائلة؛ كما عثر في الآونة
الأخيرة على أسود وثيران مجنحة في مواضع جديدة بين القصر الشمالي الغربي
والزقورة بالأضافة الى المنحوتات العاجية الوفيرة التي عثر عليها في القصر
الملكي وفي حصن شلمنصر (تلول عازر) الكائن في الزاوية الجنوبية الشرقية من
المدينة. وقد تم في الآونة الاخيرة اكتشاف المقبرة الملكية في القاعات
الداخلية في القصر الشمالي الغربي واخراج كنوزها من المجوهرات والمصوغات
الذهبية والعاجيات التي تعكس مهارة فنية رفيعة الطراز اشتركت بها مهارات
فينيقية ومصرية وحاتية تمثل تطور الفن في الشرق الأدنى بأسره..

ويظهر الملك
والمرافقين بل وحتى الخصيان والمردة والملائكة الحارسة بثياب ثقيلة تغطي
كامل الجسم وتنتهي بحافات مزركشة . وتظهر المناطق البادية من الجسم
الانساني أو الحيواني القوة الجسمية الهائلة من خلال تصوير عضلات الذراع
والساق وكذلك في الأسود والثيران التي تدخل الذعر في قلوب الاعداء مما يوحي
بانها كانت جزءا من الدعاية السياسة التي عمد الآشوريون إلى توظيفها
لإدخال الرعب في قلوب خصومهم . وتظهر زهرة البيبون - الشبيهة بوردة
الكاميليا - الشهيرة في ام الربيعين في كل مكان من المنحوتات الجدارية وعلى
أساور الملوك وثيابهم وتيجانهم وكذلك في تيجان الثيران المجنحة وحول قواعد
العرش وزخارف النصب التذكارية مما يثير التعارض الجمالي لدى الآشوريين بين
الورد والعنف الانتقامي الذي يشهد على حب الدماء لدى الملوك الآشوريين
وتبرز القدرة الفنية على التصوير لدى الفنان الآشوري في نحته للتكوينات
المركبة التي تمثل عالم الحلم والاسطورة والخيال كما تطالعنا في الثيران
المجنحة وفي صراع الإله مع تيامات المصورة برأس نسر وأرجل اسد وجسم انسان -
انه فن ياخذنا إلى عالم القوة والرهبة والجبروت سواء أعبرت عنه اشداق
الاسود ام الابتسامة الهادئة لاشور ناصر بال الثاني..

وهنا لابد أن نوضح
جانبا من الملامح الشخصية لهذا الملك من خلال حولياته ومنجزاته. واول ما
يطالعنا قدرته الهائلة في توطيد الحكم الآشوري في المناطق التي يستولي
عليها بما يدل - إلى جانب القوة الفريدة من نوعها - على متانة الإدارة
الآشورية وقوة الجيش الآشوري فضلاً عن المرونة الفائقة التي يتميز بها في
التكيف مع الظروف القتالية والبيئية. كما نلاحظ أن السلطة المطلقة
لاشورناصربال الثاني وأقرانه من الملوك الآشوريين تنبثق من اعتقاد الملك
بأنه يقود حربا بالوكالة عن الآلهة العظيمة وأن غنائم الحرب ستصب في معابد
يقدسون فيها .. ولعل ابرز دليل على الإدارة الحازمة لهذا الملك انه لم يقد
خلال العقد الأخير من حكمه بنفسه سوى حملة واحدة في حين تميزت هذه الفترة
بالاستقرار السياسي وباستتباب الأمن والسلم اللذان يقتضيان المحافظة على
جيش دائم يضطلع بالمهمة المزدوجة المتمثلة بالحفاظ على الآمن الداخلي
والاستعداد لقمع العصيان والتوسع في الخارج يؤكد ذلك أن شلمنصر الثالث ورث
جيشا قويا ودولة راسخة من ابيه على الرغم من مرور فترة طويلة من السلم
المصحوب بالاستعداد السوقي للقتال في أية لحظة..

ولم يكن العنف
الآشوري منطلقا من نوازع التهور.. بل الحزم والحرص على سيادة الدولة
وتفوقها يدل على ذلك تحاشي آشورناصربال الثاني الاصطدام مع مملكة دمشق
القوية في اثناء حملته على مدن الساحل الفينيقي الأمر الذي يؤكد البعد
العقلاني في سياسة الملك..ولا يختلف آشورناصربال الثاني عن غالبية ملوك
الشرق من حيث حبه للأبهة الصروحية والثروة والذهب وتعلقه بالقتال البطولي
وبالنظرة الأسطورية إلى العالم فضلا عن قوة الدافع الديني وحب تخليد الذات.
كما يماثل اسلافه واحفاده الآشوريين بميزتين أفردتهم عن سواهم من الملوك
اولهما سياسة التهجير والاحتفاظ بالرهائن وثانيهما تشغيل الاسرى في اعمال
السخرة.. وانتهاج سياسة الارض المحروقة في الحروب ان اقتضت
الضرورة..والأرجح أن آشورناصربال الثاني هو أول ملك آشوري أمر بسلخ اعدائه
من بين الملوك والأمراء أحياء وتعليق الجلد على اسوار المدن كما هو الحال
مع حاكم نيشتون الذي سلخه حيا ونشر جلده على سور اربيل..وتلك ممارسة استمرت
حتى عهد آشوربانيبال الذي اختار تعليق رؤوس خصومه في عرائش العنب في
تلقوينجق، وكان راس ملك عيلام "تومان" من بين الرؤوس التي علقها احتفالا
بانتصاره على عيلام في حديقته المطلة على بوابة المسقى في الزاوية الشمالية
الغربية من تلقوينجق..

واشتهر آشورناصربال
بتفرده بكتابة الرقم على سبائك ذهبية كالتي عثر عليها في تل أبقو في
ابوماريا وبحبه للمنحوتات العاجية فينيقية الصنع التي كانت تزين صناديق
زوجته وارائكه واسرته بينما خصص الكرنلين والياقوت والذهب الأحمر لمقعد
عرشه الخاص..كما عرف بمهارته في الصيد والطرد وهي صفة لحقت النمرود
الأسطوري ايضا ..وفي جولاتي في اوابد النمرود تمكنت من التعرف على موقع
مدينة ثانية لعل آشورناصربال الثاني كان قد خصصها للأستراحة أو للحفاظ على
الغنائم الثمينة والنادرة ربما هي عينها ريسين الأسطورية ولكن الأكيد وجود
نفق يربط بين كالخو وريسين شمالا والخضر والبساطلية ينتهي بماربهنام شرقا
ولااستبعد اتصاله ببلوات عن طريق قرقش وخربة السلطان..وهي قرى يوطنها الشبك
جنبا الى جنب مع العرب منذ مئات السنين..

وبالإضافة إلى هذا
وذاك، يتميز آشورناصربال الثاني بذائقته المتميزة للفن والأدب إذ يجمع بين
الاهتمام بالأعمال الفنية صغيرة الحجم دقيقة التفاصيل كالعاجيات الفينيقية
وبالأعمال الصروحية التي تنتشر وكأنها زخرفة اسلامية لا تعرف أطراً أو
حدودا للكتابات المسمارية التي تخلد مأثره وغزواته ومنجزاته - وتعكس الأسود
في كالخو قوة الدولة وضراوة الملك في تعامله مع خصومه في آن واحد..

كما تطالعنا في
حولياته صورا ومجازات شعرية تعكس الذائقة الأدبية لعصره وتنطوي على سمة
التنافر الجمالي المميزة للذائقة السامية عبر العصور فهو أسد وطوفان وطائر
صاعقة وهو في الوقت نفسه فأر يقطف الثمار من بساتين البهجة في كالخو.
ويخبرنا في اماكن مختلفة في حولياته عن جيشه وهو ينطلق مثل طير الصاعقة نحو
قلعة شاهقة مثل غيمة ترفرف في السماء أو عن جبل منحدر كحافة الخنجر..

ولعل
آشورناصربال الثاني أو ابنه شلمنصر الثالث أو حفيده تكلاثبليزر الثالث
يمثل الشخصية الاسطورية ذائعة الصيت في الادب الشعبي المعروفة بالنمرود..
إذ تتماثل الشخصيتان في وجوه عديدة أبرزها القسوة منقطعة النظير والطغيان
المطلق والجبروت. وأخيرا ففي شخصية هذا الملك تتجلى الروح القتالية
العسكرية للبطل الرافديني وحبه للسيادة والحرية والأستقلال فضلا عن كبريائه
وعبقريته منقطعتا النظير



























الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://shoura.yoo7.com/
 
ألملك آشورناصربال الثاني ملك العالم
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الشوره :: الامور العامه :: الشخصيات-
انتقل الى: